ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

56

الامامة والسياسة

بعض الإفاقة ، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج ، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت ، فأمر به فضربت رقبته ، وانطلق برأسه إلى الحجاج ، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا فيما كان من تمام الصنع ، وما هيأ له من التأييد والظفر ، وأقام كذلك لا يمر عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى ، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا لمسارعتهم في اتباع ابن الأشعث ، ومخالفتهم عن الحجاج ، فيأمر بقتلهم حردا على الخوارج ، ورجاء أن يستأصلهم ، فلا يخرج عليه خارجي بعدها ، فلما رأى كثرة من يؤتى به من الأسرى تحرى ، فجعل إذا أتي بأسير يقول له : أمؤمن أنت أم كافر ؟ ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم ، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه . [ الحجاج والشعبي ] ( 1 ) وأسر عامر بن سعيد ( 2 ) الشعبي فيمن أسر ، وكان مع ابن الأشعث في جميع حروبه ، وكان خاص المنزلة منه ، ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله ، إلا سعيد بن جبير ، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة ، وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه ( 3 ) ، وهو يقتل الأسرى الأول فالأول ، إلا من باء على نفسه بالكفر والنفاق ، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له يزيد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه ، فقال : يا شعبي ، لهفي بالعلم الذي بين دفتيك ، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الأمير ، فبؤ له بالكفر ( 4 ) والنفاق عسى أن تنجو ( 5 ) ، فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر ، فلما رفع رأسه رآه قال له : وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب ! قال : أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك ، أرضيك بها وأسخط الرب ، ولست أفعل ، ولكني أقول : أصلح الله الأمير

--> ( 1 ) عنوان استدركناه للإيضاح . ( 2 ) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، تقدمت الإشارة إليه . ( 3 ) سورة غضبه : في شدة غضبه . ( 4 ) في مروج الذهب 3 / 176 والعقد الفريد 5 / 32 : بالشرك . ( 5 ) زيد في مروج الذهب : فلما دخلت عليه ( في العقد : ثم لقيني ) استقبلني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد .